مركز الدليل العقائدي مركز علمي بحثي متخصص

هل نَسبَ السيدُ حيدر الحلّي ذنبًا إلى النبي؟

السائل طالب علم النشر القراءة 2 دقيقة المشاهدات 48 المصحّح اللغوي تحسين البلداوي
بطاقة المسألة كما نشرها مركز الدليل العقائدي
السؤال

يقولُ السيد حيدر الحليّ (رحمه الله):‏ ‏ ((وقُل لأبي سُفيانَ ما أنتَ ناقِمٌ *** أأمنكَ يومَ الفتحِ ذنبُ مُحمدِ))... ‏ ما المفهوم الصحيح هنا لمعنى كلمة "ذنب"؟ وما دلالتُها؟ وعلى أيِّ سندٍ جاز للسيد استخدام هذه ‏المفردة بحق رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله، وكفى، وسلامٌ على عباده الذين اصطفى، محمدٍ وآله المطهَّرين مصابيح الظلام، ‏وهُداة الأنام.‏

هذا البيتُ لا يصحّ فهمه على أنّه يَنسِب ذنبًا حقيقيًّا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ولا ‏يدلّ عليه بوجهٍ صحيحٍ؛ لأنّ كلمة الذنب في لسان العربِ لا تُستعمل دائمًا بمعنى المعصية، بل ‏تُستعمَل كثيرًا بمعنى ما يُؤاخَذ به الإنسانُ عند غيره، وإنْ لم يكنْ ذنبًا في الواقع.‏

ولهذا تقولُ العربُ: ما ذنبي عندك؟ أي: ما الذي تنقِمه عليّ، وتعُدُّه خطأً، لا ما المعصية التي ‏ارتكبتها؟ وهذا استعمالٌ معروفٌ في كلامهم، ولا إشكالَ فيه.‏

وعلى هذا الأساس، فإنّ السيد حيدر الحلّيّ (ره) لا يتكلّم عن ذنبٍ صدَر من النبيّ (صلى الله ‏عليه وآله)، بل يخاطب أبا سفيان بما كان يراه هو ذنبًا، ويسأله سؤال إنكارٍ: ما الذي تنقِمه من ‏محمدٍ؟ أ كان له عندك ذنبٌ يوم فتح مكةَ، حين غلب، فعفا، وقدَر، فصفحَ، ولم ينتقم؟

فالذنبُ المذكور في البيت هو ذنبٌ بحسب نظرِ أبي سفيانَ، لا ذنبٌ في الحقيقة. وهذا المعنى ‏نفسُه ورد في القرآن الكريم، في قوله تعالى: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ}، وقد بيَّن ‏علماؤنا أنّ المراد بالذنب هنا ما كانتْ قريشٌ تعدّه ذنبًا، كتحطيم الأصنام وإبطال باطلِهم، لا ‏معصيةً واقعيّةً، فإنّ مقام النبيِّ (صلى الله عليه وآله) منـزَّهٌ عن ذلك. فقد فسّر السيدُ المرتضى ‏‏(ره) هذه الآية، فقالَ: ((إنّ الذنب مصدرٌ، والمصدرُ يجوز إضافته إلى الفاعل ‏والمفعول، ‏والمرادُ هنا: ما تقدَّم من ذنبهم إليك في إخراجهم إياك من مكة وما تأخَّر من صدِّك ‏عن المسجد ‏الحرام، أيْ: ليغفرَ ما أذنبَه قومُك إليك من إخراجك من مكة وصدِّك عنها، فالذنب ‏مضافٌ إلى ‏المفعول هنا، ويُعدَّى بنفسه حملًا على الإخراج والصدِّ اللذَين هو في معناهما؛ ‏ولذلك جَعل ‏المغفرةَ علةً للفتح وغرضًا فيه. والمرادُ بالمغفرة على هذا إزالةُ أحكام المشركين ‏وفتحها عنه، ‏وستْر تلك الوصمة عليه بما يفتح له من مكة بأنْ يدخلها فيما بعدُ، ولو أراد مغفرةَ ‏ذنوبه لم يكن ‏لكون المغفرة غرضًا في الفتح معنًى)) ‏[تفسير جوامع الجامع، للشيخ الطبرسي، ‏ج٣، ‏ص٣٨٠]‏.‏

فإذا كان هذا الاستعمالُ واردًا في القرآن الكريم، فلا غرابةَ أنْ يرد في الشعر.‏

وخلاصةُ القول أنّ البيت لا ينتقص من مقام النبيّ (صلى الله عليه وآله)، بل يكشِف حقدَ ‏خصومه، ويُظهِر عفوَه وسموَّ خُلُقِه يوم فتْح مكة، ولا يتضمّن نِسبة ذنبٍ إليه بحالٍ.‏

مسائل ذات صلة