
يقولُ السيد حيدر الحليّ (رحمه الله): ((وقُل لأبي سُفيانَ ما أنتَ ناقِمٌ *** أأمنكَ يومَ الفتحِ ذنبُ مُحمدِ))... ما المفهوم الصحيح هنا لمعنى كلمة "ذنب"؟ وما دلالتُها؟ وعلى أيِّ سندٍ جاز للسيد استخدام هذه المفردة بحق رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله، وكفى، وسلامٌ على عباده الذين اصطفى، محمدٍ وآله المطهَّرين مصابيح الظلام، وهُداة الأنام.
هذا البيتُ لا يصحّ فهمه على أنّه يَنسِب ذنبًا حقيقيًّا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ولا يدلّ عليه بوجهٍ صحيحٍ؛ لأنّ كلمة الذنب في لسان العربِ لا تُستعمل دائمًا بمعنى المعصية، بل تُستعمَل كثيرًا بمعنى ما يُؤاخَذ به الإنسانُ عند غيره، وإنْ لم يكنْ ذنبًا في الواقع.
ولهذا تقولُ العربُ: ما ذنبي عندك؟ أي: ما الذي تنقِمه عليّ، وتعُدُّه خطأً، لا ما المعصية التي ارتكبتها؟ وهذا استعمالٌ معروفٌ في كلامهم، ولا إشكالَ فيه.
وعلى هذا الأساس، فإنّ السيد حيدر الحلّيّ (ره) لا يتكلّم عن ذنبٍ صدَر من النبيّ (صلى الله عليه وآله)، بل يخاطب أبا سفيان بما كان يراه هو ذنبًا، ويسأله سؤال إنكارٍ: ما الذي تنقِمه من محمدٍ؟ أ كان له عندك ذنبٌ يوم فتح مكةَ، حين غلب، فعفا، وقدَر، فصفحَ، ولم ينتقم؟
فالذنبُ المذكور في البيت هو ذنبٌ بحسب نظرِ أبي سفيانَ، لا ذنبٌ في الحقيقة. وهذا المعنى نفسُه ورد في القرآن الكريم، في قوله تعالى: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ}، وقد بيَّن علماؤنا أنّ المراد بالذنب هنا ما كانتْ قريشٌ تعدّه ذنبًا، كتحطيم الأصنام وإبطال باطلِهم، لا معصيةً واقعيّةً، فإنّ مقام النبيِّ (صلى الله عليه وآله) منـزَّهٌ عن ذلك. فقد فسّر السيدُ المرتضى (ره) هذه الآية، فقالَ: ((إنّ الذنب مصدرٌ، والمصدرُ يجوز إضافته إلى الفاعل والمفعول، والمرادُ هنا: ما تقدَّم من ذنبهم إليك في إخراجهم إياك من مكة وما تأخَّر من صدِّك عن المسجد الحرام، أيْ: ليغفرَ ما أذنبَه قومُك إليك من إخراجك من مكة وصدِّك عنها، فالذنب مضافٌ إلى المفعول هنا، ويُعدَّى بنفسه حملًا على الإخراج والصدِّ اللذَين هو في معناهما؛ ولذلك جَعل المغفرةَ علةً للفتح وغرضًا فيه. والمرادُ بالمغفرة على هذا إزالةُ أحكام المشركين وفتحها عنه، وستْر تلك الوصمة عليه بما يفتح له من مكة بأنْ يدخلها فيما بعدُ، ولو أراد مغفرةَ ذنوبه لم يكن لكون المغفرة غرضًا في الفتح معنًى)) [تفسير جوامع الجامع، للشيخ الطبرسي، ج٣، ص٣٨٠].
فإذا كان هذا الاستعمالُ واردًا في القرآن الكريم، فلا غرابةَ أنْ يرد في الشعر.
وخلاصةُ القول أنّ البيت لا ينتقص من مقام النبيّ (صلى الله عليه وآله)، بل يكشِف حقدَ خصومه، ويُظهِر عفوَه وسموَّ خُلُقِه يوم فتْح مكة، ولا يتضمّن نِسبة ذنبٍ إليه بحالٍ.
