
الصيامُ يتعارض مع حقوق الإنسان وحريّته في الأكل والشرب.
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله، وكفى، وسلامٌ على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهَّرين مصابيح الظلام، وهُداة الأنام.
إنّ دعوى أنّ الصيامَ يتعارض مع حقوق الإنسان وحريّة الأكل والشرب ليستْ إلّا مغالطةً مكشوفةً تكشف عن جهلٍ بحقيقة التشريع الإلهيّ، ومحاولة لضرب الإسلام من زاوية مفاهيم غربيةٍ دخيلة لا تمتُّ إلى الدين بصلةٍ. هذه الشُّبهة تقوم على أساسٍ واهٍ، وهو أنّ الإنسان يمتلك حريّةً مطلقة بلا قيود، وأنّ فرْض أيِّ تكليفٍ عليه يُعدّ قمعًا لحريَّته. وهذا منطقٌ مقلوبٌ؛ لأن الحرية الحقيقية لا تعني التفلّت من كلِّ التكاليف، وإلّا لاعتبرنا كلَّ قانون وضعيٍّ يقيِّد السلوك البشري انتهاكًا للحريّة، فلماذا لا يعترِض هؤلاء على القوانين التي تَفرِض منْع السرقة أو المخدّرات أو الجرائم؟ لماذا يُسلِّمون بها، ويعُدُّونها ضروريّة للحفاظ على المجتمع، بينما عندما يأتي الأمر إلى التشريع الإلهيِّ، يتحوَّلون إلى دُعاةِ "حريّة"؟
إنّ الإسلام لا يرى الإنسانَ كائنًا ماديًّا يعيش ليأكل، ويشرب، بل هو مخلوقٌ له رسالةٌ وغاية في هذه الدنيا، والصيامُ جزءٌ من تهذيبِه وتربيته على التَّقوى والانضباط. أما من يتذرَّع بحرية الأكل والشرب ليطعن في الصِّيام، فليُخبرْنا: هل تُعدُّ قوانينُ الصحة التي تمنع تناول بعض الأطعمة المضرَّة انتهاكًا للحريّة؟ وهل يُعدُّ الطبيبُ الذي يفرض حِميَةً غذائيّة صارمة على مريضه "قمعيًّا"؛ لأنه منعه من تناول ما يشتهي؟ إذا كان الإنسانُ العاقل يرضى بالتقيُّد بأنظمةٍ غذائيّة لأجل صحته الجسديّة، أ فلا يجبُ من بابٍ أولى أنْ يخضع للتكليف الإلهيِّ الذي هو لصالح روحه وجسدِه معًا؟
ثم إنّ هذا الطعن لا يخلو من خُبْثٍ فكريّ؛ إذ ليس الصيام فرضًا على الجميع بالقوّة، بل هو تكليفٌ لمن آمن بالله، واختار الإسلام دينًا، فمَن التزم بالإسلام فهو ملتزِم بتشريعاته، ومن لم يؤمنْ بالإسلام فليس مخاطَبًا بهذه الفريضة أصلًا. أما أنْ يأتيَ مَن لا يؤمن بالإسلام ليطالِب المسلمين بنبذ صيامهم بحجّة "الحريّة"، فهذا ليس إلا نوعًا من الاستعمار الفكريّ ومحاولة فرض الأيديولوجيات الغربيّة على الأمة الإسلاميّة، وكأنّ الإسلام لا يحقُّ له أنْ يكون له نظامه التشريعيّ المستقلّ.
والمثير للسخريَة أنّ الذين يرفعون شعار الحريّة ضدَّ الصيام، هم أنفسهم الذين يدافعون عن قوانين تحظُر على المسلمات ارتداء الحجاب في بعض الدُّول، فلماذا تُعدّ الحريّة مقدَّسة عندما تكون ضدّ الشريعة، لكنها تُنتهَك بلا مشكلةٍ عندما تكون لصالح الإسلام؟ هذا الكيل بمكيالين يكشف عن الأهداف الحقيقيّة وراء هذه الشُّبهة، وهي ليستْ سوى حربٍ فكريّة ضدَّ الإسلام تحت ستار "حقوق الإنسان".
إذن، الصيام ليس تقييدًا للحريّة، بل هو اختبارٌ حقيقيّ للإنسان: هل هو عبدٌ لهواه وشهَواته، أو عبدٌ لله ملتزِمٌ بأوامره ونواهيه؟ وهذه هي الحريّة الحقيقيّة التي يفهمها أهل البصيرة، وليست الحريّة الزائفة التي يريدها أهل الغفلة والانحراف الفكريّ.
والحمد لله أوّلًا وآخرًا، وصلّى الله، وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.
