مركز الدليل العقائدي مركز علمي بحثي متخصص

هل الصيام إضرارٌ بالجسد أو تحمُّلٌ معتاد؟

السائل نبيل النشر القراءة 2 دقيقة المشاهدات 36 المصحّح اللغوي تحسين البلداوي
بطاقة المسألة كما نشرها مركز الدليل العقائدي
السؤال

إنّ صيام رمضان تشريعٌ يُلحق الضرر بجسد الإنسان، لأنّ الامتناع عن الطعام والشراب ساعاتٍ طويلةً يُخالف ما يقوله الطبّ من حاجة البدن المستمرّة إلى الغذاء والسوائل، فهذا التشريع لا يصب في مصلحة الإنسان، وإنما شرع لإضعافه؟

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمدلله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهَّرين مصابيح الظلام،وهُداة الأنام.

إنّالصيامَ في نفسه ليس فعلًا مضرًّا بالجسد، ودعوى الضرر لا تصحّ على هذا الإطلاق.فإنّ تركَ الطعامِ والشرابِ ساعاتٍ من النهارِ أمرٌ معروفٌ في حياةِ الناس، يقع فيالسفر، وفي الانشغال، وفي بعض أحوال التداوي، بل قد يقع من غير قصد، ولا يُعدّ ذلكفي نفسه إضرارًا بالبدن ولا فسادًا فيه. ولو كان الجسدُ يتأذّى بذاته من هذا التركالمؤقّت، لما كان قادرًا على تحمّل كثيرٍ من شؤون العيش المعتادة.

وأمّاما يُشاهَد من تعبٍ أو أذى عند بعض الصائمين، فإنّما يرجع إلى حال الشخص لا إلىذات الصيام. فالتعب قد يكون سببه قلّة النوم، أو سوء ترتيب أوقات الطعام، أو شدّةالعمل، أو ضعف البدن، ولا يصحّ نسبة هذه الآثار إلى الصيام من غير تمييز. ونقل أثرهذه الأحوال إلى الحكم الشرعي ممّا لا وجه له.

ولوكان الصيامُ مضرًّا في نفسه لما صحّ التفريق فيه بين الناس، لأنّ ما يكون مؤذيًابذاته لا يختلف باختلاف الأشخاص. ولهذا رُفع الصيامُ عمّن يعجز عنه أو يتضرّر به،قال سبحانه: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْأَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة، الآية:184‏]، وقال سبحانه: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُنَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة، الآية:286‏]. فرفعُ الحكم عند العجز دليلٌواضحٌ على أنّ الضرر ليس لازمًا للصيام، وإنّما يعرض من حال المكلّف.

وعلىهذا جرى كلامُ الفقهاء، فإنّهم لم ينظروا إلى الصيام على أنّه ممّا يوجب الإيذاءبذاته، بل نظروا إلى حال الصائم وقدرته. فرخّصوا في الإفطار لمن يعجز أو يقع فيحرج، كالشيخ الكبير أو من به عطش شديد. فمورد الرخصة هو العجز أو الحرج، لا أصلالصيام. ولو كان الصيامُ مضرًّا بذاته لكانت الرخصة عامّة لا مختصّة. [يُنظر: منهاجالصالحين، للسيد السيستاني، الجزء الأول، كتاب الصوم، الفصل الثامن، موارد ترخيصالإفطار].

وأمّاما يُقال عن شدّة الحرّ أو طول النهار، فهو داخلٌ في هذا المعنى نفسه، فإنّالمشقّة أمرٌ مألوفٌ في حياة الناس، وهم يتحمّلونها في أعمالهم وأسفارهم ما دامواقادرين عليها، ولا يعدّونها ضررًا، فالفرقُ واضحٌ بين المشقّة المحتملة وبين الضررغير المحتمل. والصيام يوجب تحمّلًا، لكنّه تحمّلٌ في حدود القدرة المعتادة، لاخروج فيه عن الوسع.

والواقعُأنّ كثيرًا ممّا يُذكر في مقام الاعتراض على الصيام يرجعُ في حقيقته إلى طريقةِالممارسة لا إلى الصيامِ نفسه. فمن يسهرُ الليل، ويُكثرُ من الطعام، ثم يصبحُ فينهاره متعبًا، لا يصحّ أن يُجعلَ حالُه دليلًا على فسادِ الصيام، بل هو شاهدٌ علىخللٍ في التصرّف، ونسبةُ هذا الخللِ إلى الحكمِ الشرعي خطأٌ ظاهر.

فالنتيجةُالتي نصل إليها هي أنّ دعوى الضرر قامت على عدم التمييز والتفريق بين ما يعرض لبعضالصائمين في أحوالٍ خاصّة وبين ذات الصيام، وجُعلت المشقّة الواقعة في حدود القدرةكأنّها ضررٌ لازم.

ومعالتفريق بين ذات الصيام وحال الصائم، والتمييز بين المشقّة والضرر، يظهر أنّ هذاالإشكال ساقطٌ من أساسه، ولا يبقى فيه ما يُعوَّل عليه.

والحمدلله أوّلا وآخراً، وصلّى الله وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبينالطاهرين المعصومين المنتجَبين.

مركزالدليل العقائدي.

مسائل ذات صلة