مركز الدليل العقائدي مركز علمي بحثي متخصص

هل جعلَ الفقهاءُ ربَّ العالمين صعبَ الإرضاءِ؟!‏

السائل عباس النشر القراءة 2 دقيقة المشاهدات 85 المصحّح اللغوي تحسين البلداوي
بطاقة المسألة كما نشرها مركز الدليل العقائدي
السؤال

لقد جعلَ الفقهاءُ اللهَ صعبَ الإرضاءِ!!

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله، وكفى، وسلامٌ على عباده الذين اصطفى، محمدٍ وآله المطهَّرين مصابيح الظلام، ‏وهُداة الأنام.‏

هذا توهُّمٌ ناشئٌ من سوء الفهم حين يُؤخَذ التوضيح على أنّه تشديدٌ، ومن الجهلِ بما في الشريعة ‏من سَعَةٍ ومواردِ التخفيف.‏

إنّ اللهَ تبارك وتعالى قريبٌ رحيمٌ، لا يَطلب من العبد إلّا ما يطيق، وقد نصّ كتابُه الكريم على ‏أصل اليسر، فقال عزّ من قائلٍ: ﵟيُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَﵞ [البقرة:185]، وقال: ﵟوَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي ‏الدِّينِ مِنْ حَرَجٍﵞ [الحج:78]، وقال: ﵟلَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَاﵞ [البقرة:286]، فدينُه رحمةٌ ‏مبسوطـةٌ، والتكاليفُ فيه دائرةٌ على القدرة والاستطاعة، لا على العسر والمشقّة لذاتهما.‏

وأمّا كثرةُ التفصيل في كتب الفقه فليس المقصودُ بها التشديدَ المتكلَّفَ، بل المرادُ البيانُ ‏والتيسير؛ إذ الناس تختلف أحوالُهم ووقائعُهم، فيحتاجون إلى شرحٍ يبيّنُ لهم كيف يؤدّون ‏عباداتِهم على بيّنةٍ، وما الذي يسعهم عند العجز أو الحرج؛ لذلك ترى الفقهاءَ يذكرون وجوه ‏السعة والأعذار الشرعيّة قبل أنْ يذكروا الشدائد، فمَن عجِز عن القيام صلّى قاعدًا أو بالإيماء، ‏ومن عدِم الماءَ تيمّمَ، والمريضُ والمسافرُ يفطران، ويقضيان، ومَن لا يملكُ النصابَ لا زكاةَ ‏عليه، ومَن لم يستطعِ الحجَّ سقط عنه الوجوب، فهذه أمثلةٌ يوميّة تشهدُ أنّ الشريعة تراعي حال ‏المكلّف، ولا تُغلق الأبواب في وجهه. ‏

ثمّ إنّ القَبول عند الله سبحانه، ليس بكثرة الأفعالِ مع غياب التقوى والإخلاص، بل بما يقوم ‏بالقلب من صدقٍ وتقوًى؛ قال تبارك وتعالى: ﵟإِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَﵞ [المائدة:27]، وقال: ‏‏ﵟلَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْﵞ [الحج:37]. فعملٌ قليلٌ مع صدقٍ ‏يُرضيه، وكثيرٌ بلا تقوى لا يرفعه. ‏

وعلى ذلك فبابُ الرجوع مفتوحٌ دائمًا؛ يدعو ربُّنا عبادَه بقوله جلّ شأنه: ﵟلَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ ‏اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُﵞ [الزمر:53]، ولو كان الرضا متعذَّرًا لما ‏فُتح بابُ التوبة بهذا الاتّساع.‏

فالإنصافُ يقتضي أنْ نقول: لم يجعلِ الفقهاءُ ربَّ العالمين صعبَ الإرضاء، وإنما بيّنوا طريقَ ‏مرضاتِه ووجوهَ السَّعة فيه، وجعلوا للمكلَّف طريقَ العبادة بيِّنًا، بعيدًا عن الاضطراب، وصورةُ ‏‏(الإله الصعبِ الإرضاء) إنما تولّدتْ من سوء الفهم الحاصل من خلطِ التفصيل بالتشديد، ‏وإغفالِ موارد التخفيف التي بثّها الشرعُ رحمةً بعباده. ‏

ومَن قصَد اللهَ سبحانه صادقًا، وعمل بما يقدر عليه، واستكثر من التوبة والاستغفار، وجَد ربًّا ‏كريمًا يقبل اليسيرَ، ويعفو عن الكثير.. {غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ}.

والحمد لله أوّلًا وآخرًا، وصلّى الله، وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين ‏المعصومين المنتجَبين.‏

مسائل ذات صلة