
الرافضة اتهموا النبي صلى الله عليه وسلم بعدم إطاعة أوامر الله لكونه كما يزعمون أنه صاحب الفجار، فتزوج منهم وتزوجوا منه، ويتجاهلون أن النبي صلى الله عليه وسلم هو من قال: «مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير»، فهل النبي صلى الله عليه وسلم يقول ما لا يفعل، ويصاحب المفسدين، والله ذم من يقول ما لا يفعل، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾.
الجواب
بسمه تعالى
والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى محمد وآله المطهرين..
هذه دعوى بعيدة عن الصحة، ومتغرّبة عن أرض الواقع، كما أنها من أبرز المحن التي اُبتليت بها الشِّيعة الإمامية، وطوال حقب مترادفة من القرون ما انفكت تواجه مثل هذه الدعاوى الباطلة وتُنبز بها، ومع ذلك قلنا وما زلنا نقول بأنه لا توجد ملازمة عقلية ولا تكوينية ولا شرعية بين صلاح الفرد وصلاح أهله أو أصحابه، فهذا كلام لا يوجد دليل عليه، بل الدليل على خلافه، فالقرآن الكريم أخبرنا عن أصحاب الأنبياء (صلوات الله عليهم) وبيّن لنا خيارهم وشرارهم.
فقد أخبرنا عن أصحاب موسى (عليه السلام) الذين جاهد من أجلهم، وأخرجهم من ظلم آل فرعون، وعبر بهم البحر بمعجزة يندر أن يأتي التأريخ بمثلها، فانظر ماذا قالوا لموسى (عليه السلام) بعد عبورهم البحر، يقول تعالى: ﵟوَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌﵞ [الأعراف:138].
بل وجدنا القرآن الكريم يحدثنا عن أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نفسه بأن فيهم شبهة الارتداد والانقلاب على الأعقاب، يقول تعالى: ﵟوَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًاﵞ [آل عمران:144].
ويقول تعالى: ﵟيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌﵞ [المائدة:54].
فهل انقلب أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على الأعقاب، كما تشير إلى إمكانه الآيات المتقدمة بشكل واضح وصريح، فإن الوقوع فرع الإمكان كما هو مقرر في علم المعقول؟!
نقول: جاءتنا روايات صريحة صحيحة تقول بحصول الارتداد من الصحابة بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهي المسماة بأحاديث الحوض، منها ما رواه البخاري في صحيحه بسنده: ((عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ليردن علي ناس من أصحابي الحوض، حتى عرفتهم اختلجوا دوني، فأقول: أصحابي، فيقول: لا تدري ما أحدثوا بعدك ")) [صحيح البخاري، ج8، ص120].
والسؤال المهم الذي ينبغي طرحه هنا:
هل كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في دعوته الناس للإسلام يراعي الكم أو النوع؟
والجواب: من الواضح جدا أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يراعي الكم، بدليل أنه امتنع عن قتل حتى المنافق الظاهري المُعلن للنفاق فضلاً عن المنافق الخفي غير المعلن، وكلامه معلوم مشهور عندما واجهه ابن أبي سلول بقوله: لو رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. فقال عمر بن الخطاب يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق. فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): دعه لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه. [صحيح البخاري، ج6، ص 66].
فأصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن كلهم على نمط واحد، ففيهم الصالح وفيهم من هو دون ذلك، ولو رجعنا إلى سورة التوبة لوجدنا تقسيماً واضحاً لحال الأصحاب، فاقرأوا الآيات 102 و106 و107 من سورة التوبة حتى تقفوا على التقسيم الإلهي لواقع الأصحاب وما هم عليه.
وإذا قرأنا قوله تعالى: ﵟومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهمﵞ [التوبة: 101]، يكون الأمر واضحاً في عدم جواز التمسك بعمومات تعديل الصحابة، سواءا الواردة منها في القرآن أو السنة، خاصة إذا ضممنا إليه قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) المروي في صحيح مسلم: ((في أصحابي إثنا عشر منافقاً فيهم ثمانية لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط)) [صحيح مسلم، ج8، ص122].
فهذا العلم الإجمالي بوجود المنافقين في أصحاب رسول الله يمنع من التمسك بعمومات التعديل ويكون حملها على العموم المجموعي لا الجمعي، أي القول بخيرية مجموع الصحابة بما هم مجموع لا القول بخيريتهم فرداً فرداً، فالقول بخيريتهم فرداً فرداً منافي للقرآن والسنة الصحيحة، بل منافي لما هو ثابت من وقوع المعاصي والكبائر من بعضهم.
فها هو التفتازاني من كبار علماء الأشاعرة يقول في كتابه (شرح المقاصد): ((وأما ما وقع بين الصحابة من المحاربة والمشاجرات على الوجه المسطور في كتب التواريخ، والمذكور على ألسنة الثقات يدل بظاهره على أن بعضهم قد حاد عن طريق الحق، وبلغ حد الظلم والفسق، وكان الباعث له الحقد والحسد واللداد والرياسة والميل إلى اللذات والشهوات)) [شرح المقاصد، ج2، ص306].
وها هو الشيخ ابن عثيمين من كبار علماء السلفية في كتابه (شرح العقيدة الواسطية) في حديثه عن الصحابة يقول: ((ولا شك أنه قد حصل من بعضهم سرقة وشرب خمر وقذف وزنى بإحصان وزنى بغير إحصان)) [شرح العقيدة الواسطية، ج2، ص292].
وعليه فالقول بأن أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كلهم أخيار أبرار مناقض للقرآن والسنة الصحيحة والسيرة المعلومة عنهم، فلا داعي للتمسك بأمور لا واقع لها والتغريد بما لا محصل علمي له.
والحمد لله أوّلا وآخراً، وصلّى الله وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.
