
قوله تعالى {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم} إلى قوله {ليغيظ بهم الكفار} [سورة الفتح، الآية: 29]. من هذه الآية أخذ الإمام مالك بكفر الروافض الذين يبغضون الصحابة، قال: لأن الصحابة يغيظونهم، ومن غاظه الصحابة فهو كافر، ووافقه طائفة من العلماء على ذلك.
الجواب
بسمه تعالى
والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى محمد وآله المطهرين..
هذه الآية لا تدل على أن كل من اغتاظ من واحد من الصحابة فهو كافر، يقول ابن حزمٍ في كتابه (الفِصَل) ما نصُّه: ((واحتج بعض مَن يكفِّر من سبّ الصحابة رضي الله عنهم بقول الله عز وجل ﵟمُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْﵞ، إلى قوله: ﵟلِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَﵞ قال: فكل من أغاظ أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم، فهو كافرٌ، قال أبو محمد: وقد أخطأ من حمل الآية على هذا؛ لأن الله عزّ وجلّ لم يقل قط أنّ كل من غاظه واحدٌ منهم فهو كافر، وإنما أخبر تعالى أنه يغيظ بهم الكفار فقط)) [الفصل في الملل والأهواء والنحل، ج3، 140].
ولو سلمنا بقول مالك وحكمنا بكفر كل من اغتاظ من واحد من الصحابة، لحكمنا بكفر جمع من الصحابة كانوا يحملون على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) ويبغضونه، أمثال معاوية، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، وبسر بن أرطأة، وآخرين لا نود ذكرهم، كانوا لا يستطيعون إخفاء بغضهم له (عليه السلام) حتى في محضر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، حتى قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كما في صحيح الترمذي: ((ما تريدون من عليّ؟ إن عليًّا مني وأنا منه، وهو ولي كل مؤمن بعدي)) [سنن الترمذي، ج5، ص632].
بل ظاهر الآية أن صحابة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ بنحو العموم المجموعي ـ يغيظ الله بهم الكفار، لا بنحو العموم الافرادي، بمعنى أن الله سبحانه قد أغاظ الكفار بصحابته (صلى الله عليه وآله وسلم) بما هم مجموع، لا بكل فرد منهم، فإن بعضهم كما هو معلوم لم يُغظ واحداً من الكفار، ولا سيما بعض من صحب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد فتح مكة.
ويقول الآلوسي في تفسيره (روح المعاني ) بعد أن رأى عدم صحة الأخبار التي تنصّ على كون الآية تشمل أبا بكر وعمر وعثمان، وأنه ليس لهم حظٌّ من هذه الآية ، والحظ الأوفى فيها لعليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، قال ما نصّه: (({ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ } بعليٍّ رضي الله عنه، وكلُّ هذه الأخبار لم تصح فيما أرى، ولا ينبغي تخريج ما في الآية عليها ... ومتى أُريد بالزرع النبيّ عليه الصلاة والسلام كان حظّ عليٍّ كرم الله وجهه من شطأه أوفى من حظ سائر الخلفاء رضي الله تعالى عنه، ولعل مؤازرته ومعاونته البدنية بقتل كثيرٍ من الكفَرة أعدائه عليه الصلاة والسلام، أكثر من مؤازرة غيره من الخلفاء أيضاً)) [روح المعاني، ج13، ص281].
ولو سلمنا بان كل من أغاظه أحد من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، كافر، للزم على هذا تكفير جمع كثير من الصحابة؛ لإغاظة بعضهم للبعض الآخر، وإليك نماذج من ذلك:
1- معاوية يغيظه الصحابيُّ عبد الرحمن بن سهل الأنصاري فيقول عنه أنه شيخٌ ذهَب عقله؛ لأنه شقّ برمحه رَوايا تحمل الخمر لمعاوية، وهذا نصُّ ما رواه البخاري: ((... غزا عبد الرحمن بن سهل الأنصاري في زمن عثمان، ومعاويةُ أميرٌ على الشام، فمرتْ به روايا تحمل الخمر، فقام إليها عبد الرحمن فشقّها برمحه، فمانعه الغلمان، فبلغ الخبرُ معاوية، فقال: دعوه، فإنه شيخٌ قد ذهب عقله! فقال: والله ما ذهب عقلي، ولكنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم نهانا أنْ يدخل بطوننا وأًسقِيَتَنا)) [صحيح البخاري، ج2، ص199].
2- الصحابي حاطب بن أبي بَلتَعة، وهو ممّن شهد بدراً، أغاظ عمرَ بن الخطاب، فقال عنه: إنه منافقٌ وحكَم بضرب عُنُقه. [صحيح البخاري، ج4، ص19].
3- الصحابي معاذ بن جبل أغاظه الصحابي حرام بن ملحان بقوله: إنه منافق: ((إنه منافق أفعجِل عن صلاته من أجل سقي نخلة)) [صحيح البخاري، ج2، ص218].
4- الصحابي عمار بن ياسر أغاظه معاوية وعمرو بن العاص، فقال لرجلٍ يهجوهما: ((إلزق بالعجوزين)) [صحيح البخاري، ج8، ص229].
5- الصحابيان عمار بن ياسر ومحمد بن أبي بكر أغاظهما الصحابيُّ عثمان، فقالا عنه: إنه كافرٌ ومنافق لما سألهما رجلٌ عنه فقالا: ((تسأل عن رجلٍ كفر بالله من بعد إيمانه ونافق)) [صحيح البخاري، ج9، ص115].
6- الصحابي أبو العادية، أغاظه الصحابيّ عمار بن ياسر، فقال: ((لو ظفرت به لوطأتُه برجلي)) لأنه سبّ عثمان. [صحيح البخاري، ج9، ص490].
7- الصحابي عمرو بن العاص، أغاظه الصحابي عثمان، فألّب عليه وسعى في إفساد أمره عندما عزله عن مصر. [صحيح البخاري، ج2، ص117].
فالقول بأن مَن أغاظ أحداً من الصحابة فهو كافر، يلزم منه تكفير من ذكرنا من الصحابة؛ لإغاظة بعضهم لبعض!!
والحمد لله أوّلا وآخراً، وصلّى الله وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.
