
يقول عباس القمي في (مفاتيح الجنان): "وَيُسْتَفَادُ من بعض الرّوايات فضل مسجد الكوفة على المسجد الأقصى في بيت المقدس" (مفاتيح الجنان، ص502) هذا رغم أن المسجد الأقصى قبلة المسلمين الأولى وبقعة يُقَدِّسُها أتباع حضرة إبراهيم (ع) جميعهم. ونسأل: لماذا لم يُسْرِ اللهُ بنبيِّه إذاً إلى مسجد الكوفة - الأقرب والأكثر فضيلةً - بدلاً من الإسراء به إلى المسجد الأقصى؟ ولماذا لم يأتِ في القرآن أي ذِكْرٍ لمسجد الكوفة هذا؟!.
الجواب
بسمه تعالى
والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى محمد وآله المطهرين..
وردت جملة من الروايات في بيان فضل المساجد، ومن بينها مسجد الكوفة والأقصى، فبعض العلماء استفاد منها فضل مسجد الكوفة على الأقصى، وآخرون استفادوا منها التساوي بالفضل، فنقرأ في كتاب «منهاج الصالحين» للسيد الخوئي (قدس سره) قوله: ((تستحب الصلاة في المساجد، وأفضلها المسجد الحرام، والصلاة فيه تعدل ألف ألف صلاة، ثم مسجد النبي (ص) والصلاة فيه تعدل عشرة آلاف صلاة، ثم مسجد الكوفة والأقصى والصلاة فيهما تعدل ألف صلاة)) [منهاج الصالحين، مسألة:561]، ويستفاد من قوله: ((ثم مسجد الكوفة والأقصى والصلاة فيهما تعدل ألف صلاة)) التساوي في الفضل.
وقد وافق السيد الخوئي السيد الخميني (قدس سرهما)، ومن المعاصرين: السيد السيستاني والحكيم والهاشمي الشاهرودي، وكذا السيد تقي القمي في مباني منهاج الصالحين. وأما الشيخ الوحيد الخراساني في تعليقته على المنهاج فقد ذهب إلى أفضلية مسجد الكوفة على الأقصى حيث عبر (بل، ثم الأقصى).
والشيخ القمي (رحمه الله) أحد الأعلام الذين استظهروا من الروايات فضل مسجد الكوفة على المسجد الأقصى، وهو ظاهر قوله: ((وَيُسْتَفَادُ من بعض الرّوايات...)).
إذن، فكلٌّ منهم بحسب استظهاره من الروايات استدل على ما ذهب إليه، إما تساوي الفضل بينهما أو المفاضلة، وهو أمر شائع ومعروف في الأبحاث الفقهية الاستدلالية، وواضح جدًّا أن الكاتب يجهله أو يتجاهله.
وعلى فرض صحة استظهار القمي (رحمه الله)، فكلام الكاتب هذا من الجهل أو من المغالطة؛ إذ لا توجد ملازمة بين أولية الشيء والأفضلية والتقديس، فلربما يأتي شيء في مرتبة متأخرة، ويكون أقدس وأشرف وأفضل ممن جاء في مرتبة متقدمة عليه، فآدم (عليه السلام) أول أنبياء الله، ومحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) آخرهم، ومع ذلك فإنه أفضلهم وأشرفهم وأقدسهم، والقرآن الكريم خاتمة الكتب السماوية المنزلة، وهو أفضلها وأقدسها وأرفعها شأنًا وأعلاها رتبة، وبيت المقدس قبلة المسلمين الأولى – كما ذكر الكاتب - ومع ذلك أصبحت الكعبة ـ وهي القبلة الثانية لهم ـ أقدس وأشرف منه، ولا ينازع – في ما ذكرناه - منازعٌ حتى الكاتب نفسه، علمًا أنّ الكعبة قد بناها نبي الله آدم (عليه السلام)، ثم جدّد بناءها نبي الله إبراهيم (عليه السلام)، أما بيت المقدس، فكان ابتداءُ أمره بعد آلاف السنين، على يد آل داود.
وأما سؤال الكاتب لماذا لم يُسْرِ اللهُ بنبيِّه إذًا إلى مسجد الكوفة - الأقرب والأكثر فضيلةً - بدلًا من الإسراء به إلى المسجد الأقصى، فنقول:
ثمة ما هو مساوٍ للأقصى من حيث المباركة، وما هو أفضل وأقدس، بل لقد صرّح القرآن الكريم بذكره، وهو البقعة المباركة (الوادي المقدّس طوى)، التي كلم الله سبحانه فيه موسى (عليه السلام) بقوله تعالى: ﵟإِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًىﵞ [طه:12]، حيث يرى معظم مفسّري الشيعة والسنة أنّ سبب تبرك البقعة هو لتكلّم الله مع النبي موسى (عليه السلام)، وأنه بُعث في هذا المكان بـالنبوة. [التبيان، ج7، ص392؛ مجمع البيان، ج7، ص392؛ الميزان، ج16، ص32؛ زاد المسير، ج3، ص383]، كما يرى ذلك العلامة الطباطبائي من أنّ البقعة أصبحت مباركة؛ لأنّ الله تحدث مع موسى (عليه السلام) فيها، وتشرفت بهذا الحدث. [الميزان، ج 16، ص 32].
وما هو مساوٍ من حيث المباركة كقوله تعالى: ﵟوَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَاﵞ [الأعراف:137]، وقوله تعالى: ﵟوَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَﵞ [الأنبياء:71]، وقوله تعالى: ﵟوَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَﵞ [الأنبياء:81]، وقوله تعالى: ﵟوَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةًﵞ [سبأ:18]. فهذه أماكن مباركة أشار إليها القرآن الكريم مثل المسجد الأقصى.
وعليه، فلو كانت المسألة تدور مدار الأفضلية والتقديس فإننا نردّ الإشكال نفسه على الكاتب ليجيب عنه، وهو: لماذا لم يُسْرِ الله بنبيه إلى البقعة المباركة (الوادي المقدس) الأكثر فضلاً وقدسيةً، والمذكور صراحة في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﵟإِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًىﵞ [طه:12]، بدلًا من الإسراء به إلى المسجد الأقصى الذي قال عنه: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ} [الاسراء:1]؟!
وأما عن عدم ذكر مسجد الكوفة في القرآن الكريم، فنقول:
إنّ ذكْر الأشياء والتصريح بمسمَّياتها في القرآن لا يدلُّ على أنها أكثر قيمةً مما لم يرِد لها ذكرٌ إلا في أحاديث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأحاديث أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، فإنه لم يقُل بذلك أحدٌ من علماء الأمة، بل لم يرِد دليلٌ على ذلك لا من الكتاب ولا السُّنة، ولو كان لبان، والواقع يُثبت خلاف ذلك، فقد ذكر القرآن الكريم كثيرًا من الأمور على نحوٍ من التفصيل، كأحوال الخلق وقصص الماضين، وغيرها من أمورٍ كثيرة، ولا يشك مسلمٌ في فضلها وقيمتها العالية، ولكنّ ما ثبت في السنّة من تفصيلٍ لكيفيّة الصلاة وعدد ركعاتها، وصفة الحج والسعي وعدد أشواط الطواف، ومقادير الزكاة وشروطها وغير ذلك مما هو أعظم شأنًا في الشريعة الإسلامية، وبيان السُّنة لكل ما لم يرد له ذكرٌ في القرآن حجةٌ آخذة بالأعناق لقوله سبحانه: ﵟوما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهواﵞ [الحشر:7]. وقوله: ﵟمن يطع الرسول فقد أطاع اللهﵞ [النساء:80].
والحمد لله أوّلًا وآخرًا، وصلّى الله وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.
