
كيف لنا أن نميز بين حقيقة أقوالكم وبين أقوال تستعملون فيها التقية؟؟؟ خاصة أن هناك أقوال وأفعال للأئمة يوجهها مشايخكم أحيانا على أنها حقائق وأحيانا أخرى على أنها كانت تقية فقط؟
الجواب
الأخ أحمد المحترم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
لا يخفى على كلّ ذي لبّ أنّ التقية هي رخصة أجاز المولى سبحانه استعمالها في موارد الخطر والخوف على النفس والمال والعِرض بأن يظهر المؤمن خلاف ما ينطوي عليه من عقيدة وعمل حتّى يحمي نفسه وعرضه وماله من أذى الكافر والظالم، ففي القرآن الكريم نجد مثل قوله تعالى: ﵟإِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةًﵞ آل عمران :28، يقول الشيخ الآلوسي في تفسيره: ((وفي الآية دليل على مشروعية التقيّة وعرّفوها بمحافظة النفس، أو العرض، أو المال من شرّ الأعداء)). (تفسير الآلوسي 3: 121)
وهذه التقيّة لا تختصّ بالتقيّة من الكافر فقط بل تشمل المسلم الظالم أيضاً، قال الفخر الرازي في تفسير قوله تعالى: ﵟإِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةًﵞ: ((ظاهر الآية يدلّ على أنّ التقية إنّما تحلّ مع الكفّار الغالبين، إلا أنّ مذهب الشافعي -رضي الله عنه -: أنّ الحالة بين المسلمين إذا شاكلت الحالة بين المسلمين والكافرين حلّت التقية محاماة عن النفس، وقال: التقية جائزة لصون النفس، وهل هي جائزة لصون المال؟ يحتمل أن يحكم فيها بالجواز لقوله (ص): (حرمة مال المسلم كحرمة دمه)، وقوله (ص): "من قتل دون ماله فهو شهيد")). (مفاتيح الغيب، الفخر الرازي 8: 13)
وقد تعرّض أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) وشيعتهم إلى شتّى أنواع الظلم من الحكّام الذين عاصروهم بما لا يخفى على أحد وسطّرته كتب التأريخ بأحرف من دماء ودموع وسجون وملاحقة وهدم دور وتهجير وتنكيل ، الأمر الذي غلّف حياتهم بنوع من التقيّة المفروضة عليهم حتّى يحمّوا أنفسهم وأعراضهم من جور الجائرين وظلم الظالمين ، وبهذا اللحاظ صدرت منهم ( عليهم السلام ) جملة من الأحاديث والأفعال تقيّة ، والسؤال هنا : كيف نميّز بأنّ هذا الحديث أو هذا الفعل الصادر عن الإمام ( عليه السلام ) كان تقيّة وليس مطابقا لحكم الله الواقعي ؟!
الجواب وباختصار: لقد بيّن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) لشيعتهم وفي أحاديث كثيرة كيفية تمييز الأحاديث الصادرة عنهم حتّى لا تختلط الأمور على شيعتهم، فأحاديثهم (عليهم السلام)، كما هو الشأن في الحديث النبوي، تعرّضت إلى الوضع والدس، إضافة إلى ظرف التقيّة الذي عاشوه، والذي تميّزوا به عن الظرف النبوي، وأهم ما وضعوه من ضوابط هو أمران:
الأوّل: العرض على الكتاب الكريم.
الثاني: مخالفة العامّة.
فأيّ حديث يرد عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأئمة أهل البيت (عليهم السلام) يخالف الكتاب الكريم بنحو التباين فهو مردود ولا يصحّ الأخذ به، كما توضّحه لنا صحيحة هشام بن الحكم عن الإمام الصادق (عليه السلام) بأنّ النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) خطب بمنى وقال: (أيّها الناس ما جاءكم عني يوافق كتاب الله فأنا قلته، وما جاءكم يخالف كتاب الله فلم أقله). (الكافي 1: 69)
وكذلك ورد ذكر الأمرين معا في صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله حيث قال: (قال الصادق (عليه السلام): إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فاعرضوهما على كتاب الله، فما وافق كتاب الله فخذوه وما خالف كتاب الله فذروه، فإن لم تجدوهما في كتاب الله فاعرضوهما على أخبار العامة، فما وافق أخبارهم فذروه وما خالف أخبارهم فخذوه). (وسائل الشيعة 27: 118)
فمن هاتين الضابطتين نستطيع التمييز بين أحاديث أئمة أهل البيت (عليهم السلام) انّها موضوعة عليهم أو أنّها واردة للتقيّة، فالأحاديث الموافقة لفتاوى علماء العامّة والمخالفة لبقية أقوالهم (عليهم السلام) هي أحاديث واردة للتقيّة، ذكرها الأئمة في ظرف المراقبة والملاحقة لهم من قبل حكّام الجور وطغاة زمانهم.
وأيضاً وردت ضوابط أدّق من هذه ذكرها الأئمة ( عليهم السلام ) لشيعتهم حتّى يميزوا صحّة وجدّية الحديث الصادر عنهم - المسمّى أصولياً بجهة الصدور - من غيره ، ففي مقبولة عمر بن حنظلة - وسمّيت بذلك لتلقي علماء الطائفة لها بالقبول رغم اختلافهم في وثاقة الراوي عمر بن حنظلة نفسه وإن كان التحقيق أنّه ثقة - ، قال : قال : سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما إلى السلطان وإلى القضاة أيحلّ ذلك ؟ قال : من تحاكم إليهم في حقّ أو باطل فإنّما تحاكم إلى الطاغوت ، وما يحكم له فإنّما يأخذ سحتا ، وإن كان حقّاً ثابتاً له ، لأنّه أخذه بحكم الطاغوت ، وقد أمر الله أن يكفر به قال الله تعالى : " يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به " .
قلت: فكيف يصنعان؟ قال: ينظران إلى من كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فليرضوا به حكما فإني قد جعلته عليكم حاكما فإذا حكم بحكمنا فلم يقبله منه فإنّما استخف بحكم الله وعلينا ردّ والرادّ علينا الرادّ على الله وهو على حدّ الشرك بالله.
قلت: فإن كان كلّ رجل اختار رجلا من أصحابنا فرضيا أن يكونا الناظرين في حقّهما، واختلفا فيما حكما وكلاهما اختلفا في حديثكم؟
قال: الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما ولا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر، قال: قلت: فإنّهما عدلان مرضيان عند أصحابنا لا يفضل واحد منهما على الآخر؟
قال: فقال: ينظر إلى ما كان من روايتهم عنا في ذلك الذي حكما به المجمع عليه من أصحابك فيؤخذ به من حكمنا ويترك الشاذ الذي ليس بمشهور عند أصحابك فإنَّ المجمع عليه لا ريب فيه، وإنّما الأمور ثلاثة: أمر بين رشده فيتبع، وأمر بيّن غيّه فيجتنب، وأمر مشكل يردّ علمه إلى الله وإلى رسوله، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: حلال بيّن وحرام بيّن وشبهات بين ذلك، فمن ترك الشبهات نجا من المحرمات ومن أخذ بالشبهات ارتكب المحرمات وهلك من حيث لا يعلم.
قلت: فإن كان الخبران عنكما مشهورين قد رواهما الثقات عنكم؟
قال: ينظر فما وافق حكمه حكم الكتاب والسنة وخالف العامة فيؤخذ به ويترك ما خالف حكمه حكم الكتاب والسنة ووافق العامة.
قلت: جعلت فداك أرأيت إن كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب والسنّة ووجدنا أحد الخبرين موافقا للعامة والآخر مخالفا لهم بأيّ الخبرين يؤخذ؟
قال: ما خالف العامة ففيه الرشاد.
فقلت: جعلت فداك فإن وافقهما الخبران جميعا.
قال: ينظر إلى ما هم إليه أميل، حكامهم وقضاتهم فيترك ويؤخذ بالآخر.
قلت: فإن وافق حكامهم الخبرين جميعا؟
قال: إذا كان ذلك فارجه حتّى تلقى إمامك فإنّ الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات. (الكافي 1: 67)
ففي هذه المقبولة توجد مطالب كثيرة، نقتصر على توضيح ما ورد منها بخصوص الأخذ بما خالف العامّة - الذي هو مورد التقيّة -، فالأخذ بما خالف العامّة يكون بمراحل:
الأولى: أن يكون هناك حديثان متعارضان من أحاديث أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، وهذا التعارض بنحو السلب والإيجاب (المسمّى أصولياً بالتعارض المستقر)، ففي هذه الحالة يؤخذ بما خالف العامّة ويترك ما وافق فتاوى علمائهم وأئمة مذاهبهم ويحمل على التقيّة.
الثانية: في حال كان كلا الخبرين المتعارضين موافقين لفتاوى علمائهم - أي كان هناك خلاف عند علمائهم أنفسهم في المسألة - أمر الإمام الصادق (عليه السلام) بالأخذ بما خالف الذي عليه حكامهم وقضاتهم؛ لأنّ هؤلاء هم أصحاب السلطة، واحتمال صدور أحد الخبرين بما يوافقهم قريب جدّاً.
الثالثة: في حال كان كلا الخبرين ممّا يعمل به حكامهم وقضاتهم، في مثل هذه الحالة أمر الإمام (عليه السلام) بالتوقّف وعدم الأخذ بأيّ من الخبرين، فإنّ الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات.
وفي مثل المورد الثالث يرجع الفقهاء إلى العمومات الفوقانية للمسألة إن وجدت ليعملوا بها أو يأخذوا بالاحتياط إن أمكن.
هذه هي أهم الضوابط للتمييز بين الأخبار الصادرة تقية عن غيرها.
ودمتم سالمين
