مركز الدليل العقائدي مركز علمي بحثي متخصص

‏دليل عدم جواز ذكر صحابة النبي وأزواجه في الصلاة عليه وآله

السائل غانم سلامة النشر القراءة 6 دقيقة المشاهدات 156 المصحّح اللغوي تحسين البلداوي
بطاقة المسألة كما نشرها مركز الدليل العقائدي
السؤال

لِمَ لا تجوِّزون الصلاة على أصحاب وأزواج النبي عند الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم، في حين أنّ أهل السُّنة والجماعة اتفقوا على جواز جعل غير النبي صلى الله عليه وسلم تبعًا له في الصلاة، فيقال: «اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد وأصحابه وأزواجه وذريته وأتباعه»، للأحاديث الصحيحة، وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه لما غُسِّل عمر، وكُفن، وحُمل على سريره وقف عليه، فقال: صلى الله عليك، رواه ابن سعد في طبقاته، فلماذا لا تتبعون عليًّا، وأنتم توالونه؟

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهرين..

اتفاق أهل السُّنة حجةٌ عليهم، لا على الشيعة الإمامية إنْ كان هناك اتفاقٌ أصلًا، وأما قول «اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد وأصحابه وأزواجه وذريته وأتباعه»‏ فهذه بدعةٌ أخرى ‏تضاف إلى بدعة الصلاة البتراء؛ وهذه الإضافة ‏«‏وأصحابه وأزواجه وذريته وأتباعه»‏ لا يوجد عليها دليل من كتابٍ ولا سُنّة، وإنما ‏دليلُ إضافتها عند بعضهم هو القياس ليس غير، والقياس من الظن الذي لا يُغني من الحقّ شيئًا.‏

‏ قال النبهاني في "سعادة الدارين": ((وأمّا الصلاة على أصحابه ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ فإنّها لم ترد ‏في الأحاديث، وقد وقع الاتفاق على استحسانها بالقياس على الآل، كما ذكره شرّاح الدلائل ‏وغيرهم)) [سعادة الدارين، للنبهاني، ص30‏]. ‏

وهذا القياس باطل؛ لوجود النص، ولا يصح القياس مع وجود النص، قال الشيخ محمد بن عقيل ‏الحضرمي الشافعي في "النصائح الكافية": ((وأظن أنّ الشيخ [أي: ابن حجر الذي كان يضيف ‏الصحابة عند الصلاة على محمد وآله] كغيره لا يجهلون أنّه لم ينقل عن النبيّ صلّى الله عليه وآله ‏ولا عن أحدٍ من أصحابه ـ رضي الله عنهم ـ أنه صلّى على الصحب تبعًا للصلاة عليه صلّى الله ‏عليه وآله، أو أمر بها، لا في الصلاة ولا خارجها، وإنّما قاسها مَن بعدَهم على الصلاة على الآل، ‏والقياس الذي ذكروه فاسد؛ لعدم الاطراد، ولوجود الفارق)) [النصائح الكافية، ص296]. ‏فهذا علَمٌ من أعلام أهل السُّنة يثبت أن دليل الإضافة هو القياس، ويؤكد أن القياس في ذلك فاسد.

وقال الشيخ عبد الله الصديق الغماري في "القول المقنع": ((وننبِّه هنا على خطإٍ وقع من جماهير ‏المسلمين، قَلَّد فيه بعضهم بعضًا، ولم يتفطَّن له إلا الشيعة، ذلك أنّ الناس حين يُصلّون على النبي ‏صلى الله عليه وآله وسلم يذكرون معه أصحابه، مع أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين سأله ‏الصحابة فقالوا: كيف نصلي عليك؟ أجابهم بقوله: قولوا اللهم صل على محمد وآل محمد... ولم يأتِ ‏في شيءٍ من طرق الحديث ذِكْرُ أصحابه، مع كثرة الطرق وبلوغها حدّ التواتر، فذِكْر الصحابة في ‏الصلاة على النبيّ صلّى الله عليه وآله زيادةٌ على ما علّمه الشارع واستدراك عليه، وهو لا يجوز. ‏وأيضًا فإن الصلاة حقٌّ للنبي صلّى الله عليه وآله، ولآله، ولا دخل للصحابة فيها)) [القول المقنع في ‏الرد على الألباني المبتدع، ص12‏]. ‏

وبناءً على ما ذُكِر، فإنه لا يمكن أن يُشفع لمن يَرغب في إضافة ذكر الصحابة في الصلاة الإبراهيمية بحجة عدم رغبتِه في أن يُشابه الشيعة أو الرافضة في ولائهم للآل دون الصحابة، ويمكن النظر إلى موقف الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ لمعرفة رأيه في هذه المسألة، حيث يقول في كتابه في "اللآلئ البهية": ((كذلك في مسألة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ‏الأصل فيها أنّ الصلاة عليه، عليه الصلاة والسلام وعلى آله كما جاء ذلك مبيّنًا في حديث أبي ‏حميد وغيره في الصحيحين وغيرهما، فإنّ النبي صلى الله عليه وسلم علّمهم أن تكون الصلاة عليه ‏وعلى آله، فأدخل أهلُ السُّنّة إذا ذكروا الصلاة عليه، عليه الصلاة والسلام، وأرادوا أن يذكروا ‏الآل، أدخلوا معهم الصحابة، فقالوا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ولم يقتصروا على الآل، ‏وهذا عند أكثر أهل السُّنّة لأجل ألا يشابهوا الرافضة والشيعة في تولّيهم للآل دون الصحب)) [اللآلئ البهية في شرح العقيدة الواسطية، ج2، ص410].

إن كلام هذا الشخص هو من الأقوال المثيرة للدهشة، حيث يَعترف بعدم مشروعية الصلاة على الصحابة بسبب عدم وجود نصٍّ صريح يأمر بذلك. لكنه في المقابل يُدخل ذكر الصحابة في الصلاة من باب عدم التشبُّه بالرافضة والشيعة، الذين يلتزمون بالسُّنة النبوية.

نحن في حيرةٍ – حقيقة - حيال ما يُقال هنا، فهل الدين هو مجرد لُعبةٍ يتلاعب بها أصحاب المذاهب، حيث يُدخلون فيه ما يرونه مناسبًا بناء على آرائهم المذهبية حتى وإن لم يكن هناك دليل واحد من الكتاب والسُّنة يدعم ما يفعلونه؟!

هذا، مع ما ثبت أن الرسول (صلى الله عليه وآله) أخرج آل عقيل وآل جعفر وآل ‏عباس ‏وغيرهم من عنوان آل البيت، وذلك لمّا حدّد المراد من أهل بيته عند نزول قوله تعالى: ‌‏{إِنَّمَا يُرِيدُ ‏الله لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}، حيث جلَّل عليًّا وفاطمة ‏والحسن والحسين ‌‏(عليهم السلام) بكساءٍ له (صلى الله عليه وآله) وقال: "اللهم هؤلاء أهل ‏بيتي"، فدلّ على أنه ليس ‏هناك أحد غيرهم يشمله وصف أهل البيت النبوي.‏

فقد روى أحمد في مسنده وغيره بأسانيد ثلاثةٍ، شهد الشيخ شعيب الأرنؤوط بصحتها، أنه عند نزول هذه الآية المباركة جلل النبي (صلى الله عليه وآله ‏وسلم) ‏عليًّا وفاطمة والحسن والحسين بكساءٍ له، وقال: "اللهم هؤلاء أهل بيتي")) ‏[انظر: ‏مسند ‏أحمد، ج44، ص119].

وقال ابن تيمية في "منهاج السُّنة": ((وأما حديث الكساء فهو صحيحٌ، رواه ‏أحمد ‏والترمذي من حديث أم سلمة، ورواه مسلم في صحيحه من حديث عائشة. قالت: «خرج النبي ‌‏- ‏صلى الله عليه وسلم - ذات غداةٍ، وعليه مرط مرحَّل من شعرٍ أسود، فجاء الحسن بن علي، ‏فأدخله، ‏ثم جاء الحسين، فأدخله معه، ثم جاءت فاطمة، فأدخلها، ثم جاء عليٌّ، فأدخله، ثم قال: {إنما ‏يريد الله ‏ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرًا}»)) [منهاج السنة النبوية، ج5، ص13].

وقال الشوكاني في "إرشاد الفحول": ((قد ورد بالدليل الصحيح أنها نزلت ‏في ‏عليٍّ وفاطمة والحسنين)).‏[إرشاد الفحول، ج1، ص222].

وقال أحمد بن محمد الشامي في "جناية الأكوع": ((وقد أجمعتْ أمهات كتب السُّنة ‏وجميع ‏كتب الشيعة على أنّ المراد بأهل البيت في آية التطهير النبي (ص) وعليٌّ وفاطمة ‏والحسن والحسين، لأنهم ‏الذين فَسر بهم رسول الله (ص) المراد بأهل البيت في الآية، وكلُّ قول يخالف ‏قول رسول الله ‌‏(ص) من بعيدٍ أو قريب مضروب به عرض الحائط، وتفسير الرسول (ص) ‏أولى من تفسير غيره، ‏إذ لا أحد أعرف منه بمراد ربه)) ‌‏[جناية الأكوع، ص125]‏.

قال الآلوسي في تفسيره "روح المعاني": ((وأخبار إدخاله (ص) عليًّا وفاطمة ‏وبنيها ‌‏(رضي الله تعالى عنهم) تحت الكساء، وقوله (عليه الصلاة والسلام): "اللهم هؤلاء أهل ‏بيتي" ‏ودعائه لهم، وعدم إدخال أم سلمة أكثر من أن تحصى، وهي مخصِّصة لعموم أهل البيت ‏بأي معنى ‏كان. فالمراد بهم مَن شملهم الكساء، ولا يدخل فيهم أزواجه)) ‌‏[روح المعاني، ج22، ص14]‏.

والأحاديث المتضمنة لهذا المعنى مستفيضة إن لم نقل متواترة، وهي أكثر من أن نحصيها.‏

وأما رواية ابن سعد في قول عليٍّ (عليه السلام) لما غُسل عمر، وكُفن، وحُمل على سريره وقف عليه، وقال: "صلى الله عليك‏"، فقد ضعّفها المقريزي في الإمتاع، فقال: ((إن ابن سعد لم يسند حديثه، بل قال في الطبقات: أخبرنا بعض أصحابنا عن سفيان بن عينية أنه سمع منه هذا الحديث عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله، فذكروه، فقال : لما انتهى إليه، فقال: صلى الله عليك، وهذا الرجل المهم لم يحفظه، فلا يحتج به، وقد عارضه قول: عبد الله بن عباس رضي الله تبارك وتعالى عنهما: لا ينبغي الصلاة على أحد إلا على النبي صلى الله عليه وسلم)) [إمتاع الأسماع، ج١٠، ص٣٧٨‏].

والحمد لله أوّلًا وآخرًا، وصلّى الله، وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.

مسائل ذات صلة