مركز الدليل العقائدي مركز علمي بحثي متخصص

إذا كان الحزن فطرة أباحها الشرع، فلماذا يُستنكر حين يكون للحسين؟

السائل ضرغام التميمي النشر القراءة 4 دقيقة المشاهدات 569 المصحّح اللغوي تحسين البلداوي
بطاقة المسألة كما نشرها مركز الدليل العقائدي
السؤال

الإسلام يدعو إلى الصبر والاحتساب عند المصائب، كما قال النبي (ص): (إنما الصبر عند الصدمة الأولى). فكيف يُبرِّر الشيعةُ الاستمرار في البكاء والحزن على الحسين رضي الله عنه؟

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله، وكفى، وسلامٌ على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهَّرين مصابيح الظلام، وهُداة الأنام.

إنّ الحديث الذي تتشبّثون به ـ أعني قول النبي (صلى الله عليه وآله): ((إنّما الصبر عند الصدمة الأولى)) ـ هو من مرويّاتكم أنتم، وحجّةٌ عليكم لا علينا، ولسنا مكلّفين بالإلزام بما ورد في كتبكم. غير أنّنا ـ ومن باب التنزّل الجدلي ـ نبيّن لك أنّ الفهم الذي بنيتَ عليه استشكالك فاسدٌ ومشوّش، فنقول:

إنّ الإستشكال مبنيّ على فهمٍ مغلوطٍ للحديث النبوي: ((إنّما الصبر عند الصدمة الأولى)). فالصبر هنا ناظرٌ إلى حقيقة الموقف أمام البلاء، لا إلى نفي كلّ مظهرٍ من مظاهر الحزن.

ولو تأمّل المستشكلُ لوجد أنّ الحديث حجّة عليه لا له؛ فإنّ النبي (صلى الله عليه وآله) بيّن أنّ الصبر الحقّ إنّما يظهر عند وقوع المصيبة ابتداءً، حيث يكون الانفعال الطبيعي جارفًا، فمَن كظم نفسه عن السخط على الله سبحانه، واحتسب الأمر عنده، فهو الصابر، أمّا ما يأتي بعد ذلك من إظهار الحزن والبكاء فليس من الصدمة الأولى أصلًا، بل هو إحياءٌ للذكرى وتعبيرٌ عن المودّة والولاء.

فكيف يُجعل الحديث ذريعةً لنقض ما دلّت عليه نصوص أخرى من رجحان البكاء على الحسين (عليه السلام)؟!

ثمّ إنّنا إذا رجعنا إلى سيرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نفسِه، وجدناه أوضح شاهد على بطلان دعوى الخصم؛ فقد بكى عند موت ولده إبراهيم.

فقد روى البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك أنّه قال: ((دخلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي سيف القين، وكان ظئراً لإبراهيم عليه السلام، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم إبراهيم فقبّله وشمّه، ثم دخلنا عليه بعد ذلك، وإبراهيم يجود بنفسه، فجعلت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم تذرفان، فقال له عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: وأنت يا رسول الله؟ فقال: (يا ابن عوف، إنّها رحمة). ثم أتبعها بأخرى، فقال صلى الله عليه وسلم: «إنّ ‌العين ‌تدمع والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنّا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون»)) [صحيح البخاري، ج1، ص439].

فجمع (صلى الله عليه وآله) بين الدموع والحزن من جهة، وبين الصبر والرضا من جهة أخرى. وهذا ما أكّده ابن حزم في المحلّى، معقّبًا على الحديث، حيث قال:

((فهذا إباحة الحزن الذي لا يقدر أحد على دفعه، و {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها} [البقرة: 286]. وفيه إباحة البكاء، وتحريم الكلام بما لا يرضي الله تعالى)) [المحلّى بالآثار، لابن حزم، ج3، ص372].

وهذا هو عين معنى الصبر عند الصدمة الأولى؛ أي أن يَحزن العبد وتدمع عينُه، لكن من دون سخطٍ ولا اعتراض. فإذا كان هذا في مصيبة الولد، فكيف بمصيبة الحسين (عليه السلام) الذي هو ريحانة النبي وسيّد شباب أهل الجنّة؟!

بل، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((أ لا تسمعون أن الله لا يعذب بدمع العين، ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا - وأشار إلى لسانه - أو يرحم)) [صحيح البخاري، ج 2، 84، ح 1304؛ صحيح مسلم، ج 2، ص 636، ح 924].

وعليه، فالحديث لو فُهم على وجهه الصحيح، كان أدعى لتبرير موقف الشيعة لا لنقضه؛ لأنّهم قد صبروا عند الصدمة الأولى، إذ لم يسخطوا على الله تعالى في مقتل الحسين، بل جعلوا حزنهم طريقًا إلى الطاعة، ودموعهم وسيلةً إلى القرب. وإنّما استمرّوا في البكاء لأنّ المصيبة في حقيقتها لم تنقطع آثارها عن الأمّة؛ فالحدث ليس موتَ شخص وانتهى، بل جريمة متجدّدة تُحييها الشعائر كي لا تُمحى من الوجدان. فاستمرار البكاء ليس استمرارًا في الجزع، بل استمرارٌ في الصبر المقرون بالبصيرة، حيث يتحوّل الحزن إلى شعيرة دائمة تحفظ الدين.

فتحصل من ذلك، أنّ الحديث: ((إنّما الصبر عند الصدمة الأولى)) إنّما يؤكّد أنّ الحزن اللاحق لا ينافي الصبر، ما دام صاحبه لم يقع في السخط، بل كان موافقًا لرضا الله تبارك وتعالى.. والشيعة حين يبكون على الحسين (عليه السلام)، فإنّهم لم ينكثوا صبرهم، بل أظهروا أشرف معانيه، وهي: حزنٌ لله عزّ وجل، وولاءٌ لوليّه، واحتسابٌ للأجر عنده.

وعليه، فمَن عاب البكاء على الحسين (عليه السلام)، فقد عاب صبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وبكاءه، وهو ما لا يقول به عاقل.

والحمد لله أوّلًا وآخرًا، وصلّى الله، وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.

مسائل ذات صلة