مركز الدليل العقائدي مركز علمي بحثي متخصص

إبليس أول مَن قاس

السائل عبد الله داود النشر القراءة 3 دقيقة المشاهدات 494 المصحّح اللغوي تحسين البلداوي
بطاقة المسألة كما نشرها مركز الدليل العقائدي
السؤال

الروافض يقولون: إن إبليس هو أول من قاس، في حين أن أول من قاس هم الملائكة حين قاسوا أنفسهم على من سيجعله الله خليفةً في الأرض.

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهرين..

من الواضح جدًّا أنّ المستشكل يحاول أنْ يضفي الشرعية على القياس الباطل بنسبته إلى الملائكة، وقياس الدين بشيءٍ من الرأي ـ كما هو معلوم ـ واضح البطلان حتى على مذهب المستشكل إلا من شذّ منهم، قال البغوي: ((مَن قاس الدين بشيءٍ من رأيه قرنه الله مع إبليس. قال ابن سيرين: ما عُبِدتِ الشمس إلا بالقياس)) [تفسير البغوي، ج3، ص217].

وأما كون الملائكة أولَ من قاس فهذه دعوى باطلة، يكذِّبها النقل وأقوال المفسرين في تفسير الآية: ﵟوَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُﵞ [البقرة:30].

وبالرجوع إلى تفسير ابن كثير والطبري وغيرهما من علماء أهل السُّنة، سيتبيَّن لك أنّ الملائكة لم تقل ذلك على وجه القياس، وإنما قالته على وجه الاستعلام، فقد قال الطبري في تفسيره: ((ما رواه الضحاك عن ابن عباس، وتابعه عليه الربيع بن أنس، من أنّ الملائكة قالت ذلك لما كان عندها من علم سكان الأرض - قبل آدم - من الجنّ، فقالت لربها: "أ جاعلٌ فيها أنت مثلهم من الخلق يفعلون مثل الذي كانوا يفعلون"؟ ‌على ‌وجه ‌الاستعلام منهم لربِّهم)) [تفسير الطبري جامع البيان، ج1، ص471].

وأما أقوال المفسرين في أنّ أول من قاس هو إبليس عليه لعائن الله، فهي كالآتي:

قال ابن كثير: ((قال ابن جرير: حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا محمد بن كثير، عن ابن شوذب، عن مطر الوراق، عن الحسن في قوله: {خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} قال: قاس إبليس، وهو ‌أول ‌من ‌قاس. إسناده صحيح.

وقال: حدثني عمرو بن مالك، حدثني يحيى بن سليم الطائفي عن هشام عن ابن سيرين، قال: ‌أول ‌من ‌قاس إبليس، وما عبدتِ الشمس والقمر إلا بالمقاييس. إسناد صحيح أيضًا)) [تفسير ابن كثير، ج3، ص393].

وقال ابن حزم ((وأن أول ما عُصي الله تعالى به في عالمنا هذا القياس، وهو قياس إبليس على أنّ السجود لآدم ساقط عنه؛ لأنه خيرٌ منه؛ إذ إبليس من نارٍ وآدم من طينٍ ثم بالتعليل للأوامر كما ذكرنا، وصحّ أن ‌أول ‌من ‌قاس في الدين، وعلل في الشرائع إبليس، فصح أن القياس وتعليل الأحكام دين إبليس، وأنه مخالفٌ لدين الله تعالى)) [الإحكام في أصول الأحكام، لابن حزم، ج8، ص113].

وقال السمعاني: ((إن إبليس كان قد اعترض بالقياس على النصِّ، وما كان من القياس كذلك فإنّا لا نجوِّزه، ولا نعمل به)) [قواطع الأدلة في الأصول، ج2، ص91].

وقال الرازي: ((وكان ابن سيرين يذمُّ القياس، ويقول: ‌أول ‌من ‌قاس إبليس، وقال الشعبي لرجل: لعلك من القياسيين، وقال: إنْ أخذتم بالقياس أحللتم الحرام، وحرمتم الحلال، فثبت بهذه الروايات تصريح الصحابة والتابعين بإنكار الرأي والقياس)) [المحصول للرازي، ج5، ص78].

وقال ابن الأثير: ((قال ابن عباس والحسن وابن سيرين: ‌أول ‌من ‌قاس إبليس)) [البحر المحيط في التفسير، ج 5، ص18].

وقال ابن تيمية في فتاواه: ((حجة إبليس في قوله: {أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} هي باطلة؛ لأنه عارض النصَّ بالقياس؛ ولهذا قال بعض السلف: ‌أول ‌من ‌قاس إبليس، وما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس)) [مجموع الفتاوى، ج15، ص5].

والحمد لله أوّلًا وآخرًا، وصلّى الله، وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.

مسائل ذات صلة