
ما الذي يثبت دينكم وعقيدتكم؟ ومن أين أتيتم بهذه المعتقدات – الإمامة – العصمة – وووو .. فهل تلومون المسلمين بعد هذا إن قالوا: إن عقيدة الرافضة ودينهم دخيل على الدين.
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهرين..
بعد أن أثبت الشيعة الإمامية عقيدتهم بالكتاب الكريم والسنة القطعية، ودونت في المئات، بل الألوف من الكتب المنتشرة اليوم في المواقع الألكترونية العلمية المجانية، وصار تمسكهم بالثقلين كتاب الله وعترة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) شعارًا يوسمون به عند العامة والخاصة من أهل السنة، فابن تيمية – مثلًا - يتحدث عن الشيعة من أين يأخذون أحكام دينهم، فيقول: ((وأما شرعياتهم فعمدتهم فيها على ما ينقل عن بعض أهل البيت، مثل أبي جعفر الباقر، وجعفر بن محمد الصادق وغيرهما)) [منهاج السنة النبوية 5: 162]، وها هو الشيخ الألباني في كتابه "الفتاوى المهمة" يعترف، ويقول بصراحة ووضوح: ((يكفي عندنا القرآن والسنة، وهم عندهم القرآن وأهل البيت)). [الفتاوى المهمة في التفرقة بين السنة والشيعة، ص 154].
إذ لمّا قرأنا قول الله تبارك وتعالى: ﵟوَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا الله إِنَّ الله شَدِيدُ الْعِقَابِﵞ [الحشر:7]، علمنا أن قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بهذه الآية قائمًا مقام قول الله عزّ وجلّ، ولمّا رجعنا إلى السنة الشريفة وجدنا حديثًا صحيحًا، بل متواترًا كما شهد به ابن حجر الهيتمي في "الصواعق المحرقة" وغيره، بأن طريق النجاة يمر عبر الإيمان والتمسك بالعترة الطاهرة، فقد جاء عنه (صلى الله عليه وآله وسلم): ((إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدًا)).[انظر: الصواعق، ص136].
ولمّا رجعنا إلى كتب اللغة، ووقفنا على صريح عبارات أقطابها عرفنا أن العترة هم (الآل) و(الأهل)، فقد قال ابن منظور: «وآل الله، وآل رسوله، أولياؤه، أصلها (أهل) ثمّ أُبدلت الهاء همزة، فصارت في التقدير (أأل)، فلمّا توالت الهمزتان أبدلوا الثانية ألفًا» [لسان العرب، ج1، ص253 مادّة أهل].
فهؤلاء العترة هم أحد الثقلين، والثقل كل نفيس خطير مصون، قال النووي: ((سميا ثقلين لعظمهما وكبير شأنهما، وقيل: لثقل العمل بها)) [يُنظر: شرح مسلم للنووي، ج15، ص175].
كما صرّح في لسان العرب بأنّ (العترة) هم (أهل البيت) مستدلًّا بحديث: «إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي» قال: ((فجعل العترة أهل البيت)) [لسان العرب، ج9، ص34].
وفي بيان المراد من أهل البيت، يقول فخر الدين الرازي: ((وأنا أقول: آل محمد صلى الله عليه وسلم هم الذين يؤول أمرهم إليه، فكل من كان أمرهم إليه أشد وأكمل كانوا هم الآل، ولا شك أن فاطمة وعليًا والحسن والحسين كان التعلق بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد التعلقات، وهذا كالمعلوم بالنقل المتواتر، فوجب أن يكونوا هم الآل)) [تفسير الرازي، ج27، ص595].
وقال ابن قيِّمِ الجَوزيّة، في تفسيره: ((قوله في عليٍّ وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم أجمعين: اللهم هؤلاء أهل بيتي، رواه مسلم، فإن هذا لا ينفي دخول غيرهم من أهل بيته في لفظ أهل البيت، ولكنّ هؤلاء أحقُّ مَن دخل في لفظ أهل بيته)) [تفسير ابن القيم، ج2، ص275].
وبعد أن أثبت الشيعة الإمامية الاثني عشرية عقائدهم بالكتاب والسنة القطعية، فهم أيضًا يثبتونها بالعلوم البرهانية - التي لا يطالها الشك - ويسيرون على خطاها بروح مطمئنة بالإيمان، فنقول:
الشكل الأول من القياس المنطقي هو منهج استدلالي معروف سار عليه العقلاء من لدن أرسطو إلى يومنا هذا، فإذا أردت -مثلًا- أن تثبت حدوث العالم وعدم قدمه لتردّ بها على دعوى الملاحدة والزنادقة فلك أن تثبت ذلك من الشكل الأول المعروف منطقيًّا، فتقول:
العالم متغير، وكل متغير حادث، فالعالم حادث .. وهذا الاستدلال سليم؛ إذ كلتا مقدمتيه (الصغرى والكبرى) مسلمتان، فإن تغير العالم هو أمر مسلم، إذ كل شيء في هذا العالم متحرك فهو متغير، كما أن كل متغير حادث، أي لم يكن فكان، فيثبت بذلك حدوث العالم ... وهكذا لك أن تثبت من هذا القياس البرهاني عصمة أهل البيت (عليهم السلام) وذلك بالبيان الآتي:
جاء عن الفخر الرازي في تفسيره عند قوله تعالى {أَطِيعُوا الله وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء، آية 59]، قوله: ((إنه يجب القول بعصمة ولاة الأمر، وذلك لمحل الجزم بطاعتهم، كما هو مفاد الآية الكريمة ... فإن قلنا بعصمة أهل البيت عليهم السلام، وجبت طاعتهم مطلقًا دون غيرهم , وإن قلنا بعدم عصمتهم , لزم التكليف بالمحال ؛ إذ أوجب الله طاعة المعصوم، والمعصوم معدوم حسب الفرض ؛ لتحقق إجماع المسلمين كافة أن غيرهم ليس بمعصوم , والتكليف بالمحال محال على الله تعالى)) [التفسير الكبير، ج10، ص144].
أقول: من هذا البيان الذي أفاده أحد كبار أئمة التفسير عند أهل السنة بأن كل من وجبت طاعته مطلقًا وجبت عصمته، نضيف إليه آية أخرى، وهي آية المودة (الواردة في حق أهل البيت بشهادة مشهور المفسرين)، وهي قوله تعالى: ﵟقُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىﵞ [الشورى:23]، ونطبق على الآيتين الشكل الأول من القياس المنطقي المتقدم لنثبت به عصمة أهل البيت عليهم السلام، فنقول:
من وجبت مودته مطلقًا .... وجبت طاعته مطلقًا
وكل من وجبت طاعته مطلقًا .... وجبت عصمته
النتيجة:
من وجبت مودته مطلقًا ........ وجبت عصمته
ودليل الصغرى - أي وجوب المودة - يستلزم وجوب الاتباع والطاعة، وهو قوله تعالى: ﵟقُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ الله فَاتَّبِعُونِي..ﵞ[آل عمران:31]، الذي شرط الحب بلزوم الاتباع الذي يعني الطاعة، وقد تقدم أن كل من وجبت طاعته مطلقًا وجبت عصمته، فتثبت بذلك عصمة أهل البيت (عليهم السلام) من آيات القرآن الكريم، ومن قياس منطقي منتج لا شائبة فيه.
ولكنك قد تسأل هنا، وتقول: هل المراد بأهل البيت هنا كل بني هاشم أو خصوص جماعة معينين فقط، ولعل البعض يقول: إن المراد به نساؤه صلى الله عليه وآله وسلم؟
والجواب: قد ثبت في أحاديث صحيحة متضافرة، اعترف بها ابن تيمية وغيره بأن النبي عليه الصلاة والسلام أدار الكساء على علي وفاطمة والحسن والحسين، وقال: اللهم هؤلاء أهل بيتي ... [انظر مجموع الفتاوى، ج4، ص496]، ومن الثابت عند البلاغيين أن تعريف الجزءين يفيد الحصر، نصَّ على ذلك السيوطي وغيره. [انظر: الإتقان في علوم القرآن، ص583]، والجزآن هنا (هؤلاء) و(أهل بيتي) معرفة، فثبت بذلك انحصار اصطلاح أهل البيت بهؤلاء الأربعة دون غيرهم، إضافة إلى سيد البيت الذي نسبهم إليه، وهو النبي الأكرم عليه وعلى آله أفضل الصلاة والسلام.
فإن قلت: فكيف إذن نثبت دخول بقية الأئمة في مصطلح أهل البيت، وأنهم معصومون؟
الجواب: نثبت ذلك من نصِّ أحد المعصومين أصحاب الكساء عليه، فإذا ثبت صدور النص عن أحد المعصومين الخمسة من أصحاب الكساء على عصمة أحد من الناس قلنا بعصمته، وإلا فلا ...
إذن، بالكتاب الكريم والسنة القطعية والعلوم البرهانية نثبت عقائدنا، ونسير على خطاها بروح مطمئنة بالإيمان.
والحمد لله أوّلًا وآخرًا، وصلّى الله، وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.
