
شيوخ الشيعة يقولون أن عليًا يحيي الموتى، فقد روى الكليني في الكافي عن أبي عبد الله قال: (إنّ أمير المؤمنين له خؤولة في بني مخزوم وإنّ شابًّا منهم أتاه فقال: يا خالي إنّ أخي مات وقد حزنت عليه حزنًا شديدًا، قال: فقال: تشتهي أن تراه؟ قال: بلى، قال: فأرني قبره، قال: فخرج ومعه بردة رسول الله متّزرًا بها، فلمّا انتهى إلى القبر تلملمت شفتاه ثم ركضه برجله فخرج من قبره وهو يقول بلسان الفرس، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: ألم تمت وأنت رجل من العرب؟ قال: بلى، ولكنا متنا على سنة فلان وفلان) (ينظر كتاب أصول الكافي ج5/ 457). وهذا شرك سافر صريح.
الجواب
بسمه تعالى
والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى محمد وآله المطهرين..
هذا الحديث ضعفه العلامة المجلسي في كتابه مرآة العقول. [راجع: مرآة العقول، ج5، ص308].
ومع غض النظر عن صحة وعدم صحة هذا الحديث، نسأل: هل من الممكن لإنسان مخلوق أن يقوم بإحياء الموتى؟
والجواب عن التساؤل المطروح يقتضي تفكيك السؤال المطروح الى قسمين:
الأول: على مستوى الثبوت والامكان الذاتي، والثاني: على مستوى الاثبات والوقوع الخارجي.
أما الأول فيلاحظ من حيثيتين: الاستقلالية، والواسطة.
والاستقلالية بمعنى قيام الإنسان بإحياء الموتى بصورة مستقلة ومن دون الاستعانة بالله، فهذا مما لا ينسجم مع القول بالتوحيد الافعالي (والتوحيد في الخالقية)؛ لأننا بعد الرجوع الى الآيات والروايات التي تعرضت للحديث عن التوحيد الافعالي، نجدها تعتبر الاماتة والاحياء من خصائص الله سبحانه وتعالى، وعليه ينحصر أمر الاماتة والاحياء بالله تعالى.
وأما الواسطة، أي قيام الإنسان بإحياء الموتى مستعيناً بالله تعالى، فلا يوجد أي مانع عقلي أو نقلي يمنع من ذلك؛ وذلك لكون الفاعل الحقيقي هو الله تعالى وليس للعبد الا دور الواسطة كدور عزرائيل في قبض الأرواح، هذا على مستوى الثبوت والإمكان الذاتي.
وأما على مستوى الإثبات والوقوع الخارجي، فيقال: إن أدل دليل على إمكان الشيء وقوعه، وعند رجوعنا الى القرآن الكريم نجده قد صرّح بما لا يقبل الشك بان ذلك الامر قد وقع على يد نبي الله عيسى (ع) في قوله تعالى: ﵟوَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَﵞ.[آل عمران:49].
ووقوع إحياء الموتى غير منحصر في الأنبياء، وانما يشاركهم فيه كثير من الصالحين، هذا ما أكد عليه ابن تيمية في كتابه النبوات، وهذا نصه: ((والآيات التي يبعث الله بها أنبياء، قد يكون مثلها لأنبياء أُخَر؛ مثل إحياء الموتى؛ فقد كان لغير واحد من الأنبياء، وقد يكون إحياء الموتى على يد اتباع الأنبياء؛ كما قد وقع لطائفة من هذه الأمة، ومن اتباع عيسى)) [النبوات، لابن تيمية، ج2، ص808].
وقال أيضاً: ((بعض الآيات التي اشترك فيها كثير من الأنبياء بخلاف إحياء الموتى، فإنّه اشترك فيه كثيرٌ من الأنبياء، بل ومن الصالحين)) [المصدر السابق، ج2، ص821].
وذكر أيضاً في كتابه "الفرقان" أنّ: ((صلة بن أشيم مات فرسه وهو في الغزو، فقال: اللهم لا تجعل لمخلوق عليّ منّة، ودعا الله عزّ وجلّ، فأحياه له. فلمّا وصل إلى بيته، قال: يا بني خذ سرج الفرس فإنّه عارية. فأخذ سرجه، فمات الفرس)). [الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، ص315].
وقال ابن حجر العسقلاني: ((شيبان النخعي له إدراك روى إبراهيم الحربي من طريق مجالد عن الشعبي قال خرج رجل من النخع يقال له شيبان في جيش على حمار له في زمن عمر فوقع الحمار ميتا فدعاه أصحابه ليحملوه ومتاعه فامتنع فقام فتوضأ ثم قام ثم رأسه فقال اللهم إني أسلمت لك طائعا وهاجرت مختارا في سبيلك ابتغاء مرضاتك وإن حماري كان يعينني ويكفيني عن الناس فقوني به وأحيه لي ولا تجعل لأحد عليّ منة غيرك فنفض الحمار رأسه وقام فشد عليه ولحق بأصحابه)) [الإصابة في تمييز الصحابة، ج3، ص227].
وسئل ابن حجر الهيتمي كما في الفتاوى الحديثية بما لفظه: ((كرامات الأولياء حق، فهل تنتهي إلى إحياء الموتى وغيره من معجزات الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، ومن أحيي كرامة لولي هل له حكم الأحياء أو الأموات؟)). فأجاب بقوله:
((كرامات الأولياء حق عند أهل السنة والجماعة، خلافا للمخاذيل المعتزلة والزيدية، وقول الفخر الرازي إن أبا إسحاق الإسفرايني أنكرها أيضا مردود بأنه إنما أنكر منها ما كان معجزة لنبي كإحياء الموتى لئلا تختلط الكرامة بالمعجزة، وغلطه النووي كابن الصلاح بأنه ليس في كراماتهم معارضة للنبوة، لأن الولي إنما أعطى ذلك ببركة اتباعه للنبي صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم، فلا تظهر حقيقة الكرامة عليه إلا إذا كان داعيا لاتباع النبي صلى الله عليه وسلم، بريئا من كل بدعة وانحراف عن شريعة النبي صلى الله عليه وسلم، فببركة اتباعه صلى الله عليه وسلم يؤيده الله تعالى بملائكته وروح منه ويقذف في قلبه من أنواره. والحاصل أن كرامة الولي من بعض معجزات النبي صلى الله عليه وسلم؛ لكن لعظم اتباعه له أظهر الله بعض خواص النبي على يدي وارثه ومتبعه في سائر حركاته وسكناته، وقد تنزلت الملائكة لاستماع قراءة أسيد بن حضير الكندي، وكان سلمان وأبو الدرداء يأكلون في صحفة فسبحت الصحفة وما فيها، ثم الصحيح أنهم ينتهون إلى إحياء الموتى)) [الفتاوى الحديثية، ص78].
وجاء عنه في نفس المصدر: ((ومنه ما حكاه اليافعي رحمه الله وقال : مما علمناه بالسند الصحيح المتصل أنّ الشيخ عبد القادر الجيلاني أكل دجاجة، ثم لما لم يبق غير العظم توجه إلى الله في إحيائها، فأحياها الله وقامت تجري بين يديه كما كانت قبل ذبحها وطبخها)) [الفتاوى الحديثية، ص204].
ويقول ابن العماد الحنبلي في كتابه "شذرات الذهب" أثناء حديثه عن أبو بكر عبد الله باعلوي العيدروسي بعد أن مدحه نقلاً عن كتاب النور السافر: ((ومن كراماته أنه لما رجع من الحج دخل زيلع، وكان الحاكم بها يومئذ محمد بن عتيق، فاتفق أنه ماتت أم ولد للحاكم المذكور، وكان مشغوفاً بها، فكاد عقله يذهب لموتها، فدخل عليه سيدي لما بلغه عنه شدة عنه من شدة الجزع ليعزيه ويأمره بالصبر، وهي مسجاة بين يديه، فعزاه وصبره، فلم يفد فيه ذلك وأكب على قدمي الشيخ يقبلهما، وقال: يا سيدي: إنْ لم يحي الله هذه مت أنا أيضاً، ولم تبق لي عقيدة في أحد، فكشف سيدي عن وجهها، وناداها باسمها، فأجابته لبيك، ورد الله روحها، وخرج الحاضرون، ولم يخرج سيدي الشيخ حتى أكلت مع سيدها الهريسة، وعاشت مدة طويلة)) [شذرات الذهب، ج8، ص63، 64؛ النور السافر، ص79].
فإذا كان نبي الله عيسى (عليه السلام) قد أحيا الموتى كما ذكرت الآية السابقة، وباعلوي العيدروسي قد أحيا امرأة بعد موتها وناداها باسمها فأجابته لبيك، وردت روحها وأكلت الهريسة مع سيدها، وصلة بن أشيم قد أحيا فرسه بعد موته، وشيبان النخعي قد أحيا حماره بعد موته، وعبد القادر الجيلاني قد أحيا دجاجة بعدما طبخها وأكلها، إلى غير ذلك مما لا يسع هذا المختصر ذكره، فإذا كان الأمر كذلك، فإن النبي الاكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) أفضل من عيسى بلا شك ولا جدال في ذلك؛ لأنه أرفع منزلة من سائر الانبياء، وإن أمير المؤمنين (عليه السلام) هو نفس النبي الاكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) بصريح القرآن، كما في قوله تعالى: ﵟفَمَنْ حَاجَّكَ فيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبينﵞ، والإجماع على أن المراد بقوله (أنفسنا) عليّ (عليه السلام)، وعلى هذا فهو (عليه السلام) أفضل الخلق بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
وإذا كان كذلك، فلا مانع من القول بأن الله تعالى مكّن أولياءه كأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) من القيام بإحياء الموتى، ولا يلزم من القول بذلك شرك القائل، وإلا لزم القول بشرك ابن تيمية، والهيتمي، والعسقلاني، وابن عماد الحنبلي، واليافعي، وكثير من علماء أهل السنة ممن نسبوا إحياء الموتى إلى أناس هم دون أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وأدون منه بكثير.
والحمد لله أوّلا وآخراً، وصلّى الله وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.
